اسماعيل بن محمد القونوي

94

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

لما عرفته من أمارات الكذب قوله وإن صح الخ إشارة إلى منع صحته رواية لما قاله قاضي عياض في الشفاء أنه لم يوجد في شيء من الكتب المعتمدة بسند صحيح وقال إنه من وضع الزنادقة وأكثر المحدثين على عدم صحته إلا ابن حجر فإنه قال في تخريج أحاديث الكشاف إنه صحيح روي في طرق عديدة وهذا غريب جدا لما عرفت من عدم « 1 » تسلط الشيطان كما ورد في حديث صحيح وعدم جواز السهو في أمر الدين إلى غير ذلك فعلم من ذلك أنه معارض بما يدل على عدم وسوسته له عليه السّلام وعدم جواز السهو في أمر الدين قطعا والإجماع على عدم تكلم كلمة الكفر والأحاديث الدالة على ما ذكرناه قوي يعمل به دون ما روي هنا كما هو مقتضى المعارضة فلا يعمل ولا يعتمد ما ادعاه ابن حجر أنه صحيح أي غير موضوع أو نقول على تقدير تسليم صحته ومساواته للأحاديث الدالة على ما ذكرنا متنا وسندا بحيث لا يرجح أحدهما على الآخر فهو محمول على التمثيل حيث ساعد رسول اللّه عليه السّلام المشركين حسبما اقتضاه الشرع القويم المتين فشبه تلك الهيئة بهيئة قراءة تلك الغرانيق العلى الخ فروى الرواة لفظا المشبه به وأرادوا به المشبه نظيره قوله تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا [ يوسف : 110 ] قال المص وما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن الرسل ظنوا أنهم أخلفوا ما وعد اللّه تعالى لهم من النصر إن صح فقد أراد المبالغة في التراخي والإمهال على سبيل التمثيل « 2 » وما ذكره المص من يُوحى [ النجم : 3 ، 4 ] وقوله : لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [ الفرقان : 32 ] وقوله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [ الأعلى : 6 ] وأما السنة فما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال إنها من وضع الزنادقة وقال الإمام أبو بكر البيهقي هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون وقد روى البخاري في صحيحه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ سورة والنجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والجن والإنس وليس فيها حديث الغرانيق وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها حديث الغرانيق وأما المعقول فكثير منه أنا لو جوزنا ذلك لارتفع الائتمان ولبطل قوله : بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ المائدة : 67 ] وإن لم تفعل فما بلغت رسالته فإن الزيادة في الوحي كالنقصان منه وقول من قال إنه صلّى اللّه عليه وسلّم لشدة حرصه على إيمان قومه أدخل هذه الكلمة من عند نفسه ثم رجع عنها مردود لا يرغب فيه مسلم لما فيه من الخيانة في الوحي والعياذ باللّه منها وقول من قال إنه سهو وسبق لسان مردود أيضا لزوال الوثوق ولأن الساهي لا يقع منه مثل هذه الألفاظ المسجعة المطابقة في السجع لألفاظ السورة وقول القائل إنه تكلم الشيطان بذلك مردود أيضا لاحتمال أمثاله في سائر كلامه ولقوله تعالى : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [ النحل : 99 ] .

--> ( 1 ) وقد عرفت أن المراد بما ألقى الشيطان ما هو خير من أمور الدنيا بالنسبة إليه عليه السّلام توفيقا بين الحديث المذكور في المسلم وبين الآية . ( 2 ) شبه الهيئة المنتزعة من الأنبياء وحالهم واستبطائهم وادعائهم أن أخذ الكفار أمهلوا بغاية الإمهال وإن لم يحتمل الإهمال ووصل التراخي إلى نهاية المنال من الهيئة المنتزعة من أشخاص وظنهم أنهم قد كذبوا وأخلفوا ما وعدهم اللّه من النصر وإنزال البأس على الفجار فذكر الكلام الموضوع للهيئة المشبه بها وأريد -